الاثنين، 21 أغسطس 2017

الاحتِياج للْحِكْمَة الإلَهِية

الاحتِيَاج للْحِكْمَة الإلَهِية

كلمة خاصة للخدام: ما أعظم احتياجنا إلى الحكمة لأجل إتمام خدمة الأيام الأخيرة

الشاهد الأساسي: "وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ". (يع۱: ٥).
 
أولاً: تعريف الحكمة:
۱- أبسط تعريف للحكمة هو التعريف بأنَّ الحكمة هي القدرة على تطبيق المعرفة.. اعتدنا في تراثنا الشرقي أن نسمي الطبيب (حكيم)، لأنه يستطيع تطبيق ما يعرفه من الطب، ليعالج المريض. والمؤمن يكون حكيمًا عندما يحيا بما تعلمه من كلمة الله.
٢- أيضًا الحكمة هي القدرة على فهم كلاً من: ۱- مشيئة الله  -٢- الواقع المـُعاش  -٣- طرق الله لتحقيق مشيئته في الواقع المـُعاش. فَهمْ هذه الثلاثية مُتكَاملة معًا يُشكل أمر هام جدًا في حياة المؤمن عبر المواقف المختلفة، على المستوى الشخصي والمستوى الجماعي. بعض المؤمنين فهموا مشيئة الرب، لكن لم يفهموا طرق الرب لتحقيق هذه المشيئة، وبسبب هذا النقص في الحكمة لم يتمموا ما يريده الرب منهم.
٣- الحكمة هي فهم مُمتزِج بالقوة (عمل الروح)، وبالتالي لها القدرة أن تصنع التغييرات الصحيحة في الأوقات الصحيحة. (حكمة قوية أو قوة حكيمة للتغيير الصحيح).
 
ثانيًا: الاحتياج للحكمة الإلهية: (لماذا أحتاج للحكمة الإلهية؟):
۱- الحكمة ومخافة الرب وجهان لعملة واحدة: "يَا ابْنِي، إِنْ قَبِلْتَ كَلاَمِي وَخَبَّأْتَ وَصَايَايَ عِنْدَكَ، حَتَّى تُمِيلَ أُذْنَكَ إِلَى الْحِكْمَةِ، وَتُعَطِّفَ قَلْبَكَ عَلَى الْفَهْمِ، إِنْ دَعَوْتَ الْمَعْرِفَةَ، وَرَفَعْتَ صَوْتَكَ إِلَى الْفَهْمِ، إِنْ طَلَبْتَهَا كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَالْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ الرَّبِّ، وَتَجِدُ مَعْرِفَةَ اللهِ". (أم٢: ۱- ٥).. "رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ". (مز۱۱۱: ۱۰).
الحكمة ومخافة الرب وجهان لعملة واحدة.. كل مؤمن حقيقي وابن للرب بالتأكيد يريد أن يحيا في مخافة الرب.. لكي أحيا في مخافة الرب أحتاج للحكمة للتمييز ما بين الأمور المتخالفة، وذلك لأتمسك بما هو من عند الرب، وأرفض كل ما هو ليس من الإيمان.. بدون حكمة لا يمكنني أن أميز وأعرف، الحكمة تعطني الرؤية الصحيحة للأمور، فأحفظ ثيابي من الدنس، وأحيا في مخافة الرب الحقيقية.. الحكمة تفهمني كلمة الله بشكل صحيح، فأستطيع تطبيقها على المواقف المختلفة في حياتي.. الحكمة تعلمني طرق الله، فأستطيع أن أحكم على الأمور اليومية والمواقف المختلفة التي لا أجد لها شواهد كتابية مباشرة في الكتاب المقدس.. الحكمة تجعلني فاهمًا لطرق الله ومشيئته، وتعطني القوة لأفعل المشيئة وأحيا في مخافة الرب...
٢- في الحكمة استنارة وفهم ممتليء بالمرونة : "مَنْ كَالْحَكِيمِ؟ وَمَنْ يَفْهَمُ تَفْسِيرَ أَمْرٍ؟ حِكْمَةُ الإِنْسَانِ تُنِيرُ وَجْهَهُ، وَصَلاَبَةُ وَجْهِهِ تَتَغَيَّرُ." (جا ٨: ۱).. في مرات كثيرة نقع في مشاكل وتنشأ الخلافات بسبب عدم فهم مواقف الآخرين، وعدم القدرة على أن نكون مرنيين مع التغيرات في الأحداث والظروف اليومية.. كثيرون ممن يبحثون عن الكمال في ما يحيط بهم، يُواجَهُون بإحباط حينما ينحرف الواقع عن تصوراتهم أو عن ما يريدون.. وهذا بالطبع ينتج عنه مشاكل متعددة.. الحكمة تصنع اتساعًا داخلي، وتجعل الإنسان قادرًا على فهم ما وراء ردود الأفعال. الحكمة تنير وجه الإنسان في المواقف المختلفة، الصعبة منها والسهلة.. الحكمة تعطي مرونة في المواقف المختلفة بدون أن تحمل هذه المرونة مساومة في الحق..
 
٣- في الحكمة شفاء إلهي: الحكمة الإلهية ليست فقط قدرة على التفكير الصحيح أو إتخاذ القرارات المنضبطة، لكنها أيضًا قوة عاملة في كيان الإنسان، روح ونفس وجسد.. "لاَ تَكُنْ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِكَ. اتَّقِ الرَّبَّ وَابْعُدْ عَنِ الشَّرِّ، فَيَكُونَ شِفَاءً لِسُرَّتِكَ، وَسَقَاءً لِعِظَامِكَ" (أم٣: ۷، ٨).. الحكمة الحقيقية التي هي من عند الرب تملأ الإنسان بهدوء حقيقي، وتعطيه أن يسلك في مسالك الرب، ويكون في هذا شفاء لنفسيته ولجسده.
"طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَجِدُ الْحِكْمَةَ، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي يَنَالُ الْفَهْمَ... فِي يَمِينِهَا طُولُ أَيَّامٍ، وَفِي يَسَارِهَا الْغِنَى وَالْمَجْدُ... هِيَ شَجَرَةُ حَيَاةٍ لِمُمْسِكِيهَا، وَالْمُتَمَسِّكُ بِهَا مَغْبُوطٌ..." (أم٣: ۱٣، ۱٦، ۱٨).. الحكمة التي من عند الرب تعطي شفاء وصحة للجسد، فتجعل الإنسان يحيا أيام طويلة على الأرض مُباركًا من الرب.. فهي شجرة حياة، وشجرة الحياة ورقها دائمًا للشفاء (رؤ٢٢: ٢).
 
 ٤- في الحكمة إنقاذ إلهي: "إِذَا دَخَلَتِ الْحِكْمَةُ قَلْبَكَ، وَلَذَّتِ الْمَعْرِفَةُ لِنَفْسِكَ، فَالْعَقْلُ يَحْفَظُكَ، وَالْفَهْمُ يَنْصُرُكَ، لإِنْقَاذِكَ مِنْ طَرِيقِ الشِّرِّيرِ، وَمِنَ الإِنْسَانِ الْمُتَكَلِّمِ بِالأَكَاذِيبِ... لإِنْقَاذِكَ مِنَ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ، مِنَ الْغَرِيبَةِ الْمُتَمَلِّقَةِ بِكَلاَمِهَا، التَّارِكَةِ أَلِيفَ صِبَاهَا، وَالنَّاسِيَةِ عَهْدَ إِلهِهَا. لأَنَّ بَيْتَهَا يَسُوخُ إِلَى الْمَوْتِ، وَسُبُلُهَا إِلَى الأَخِيلَةِ.." (أم٢: ۱۰- ۱٢، ۱٦، ۱۷)..
الحكمة تحفظ المؤمن وتنقذه.. في بعض الأوقات يرتب العدو فخاخ لكي يوقعنا فيها.. الحكمة تكشف فخاخ العدو.. المؤمن الممتليء من الروح القدس، روح الحكمة، يميز فخاخ العدو ويبتعد عنها، حتى إذا كانت مختبأة وراء شكل خارجي جيد!! في بعض الأحيان يدفع العدو ببدايات أمام المؤمن، ليست من عند الرب، قد تبدو في ظاهرها حسنة وهي في حقيقتها تكون "متملقة بكلامها" ومدمرة لحياة المؤمن إذا لم ينتبه لها!! الحكمة تنقذ وتحفظ، والفهم ينصر.. المؤمن الممتليء بالحكمة.. يكون ممتلئًا بنيران قوية وهادئة لها القدرة على حرق كل مزيف..
 
٥- في الحكمة رِبح وغِنى: "طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَجِدُ الْحِكْمَةَ، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي يَنَالُ الْفَهْمَ، لأَنَّ تِجَارَتَهَا خَيْرٌ مِنْ تِجَارَةِ الْفِضَّةِ، وَرِبْحَهَا خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ... وَفِي يَسَارِهَا الْغِنَى وَالْمَجْدُ..." (أم٣: ۱٣، ۱٤، ۱٦).. الإنسان الحكيم يُبارك في مُختلَف مجالات حياته بما في هذا من نجاح وبركة مادية وغنى.. كم من أُسَر عانت من الاحتياج بسبب عدم حكمة رب الأسرة!! وكم من أُسر افتقرت ماديًا بسبب سوء تصرف الأب أو الأم!!.. الشخص الحكيم يعرف كيف يدبر أموره. وقد يكون مقدار ما معه قليل بالمقارنة بشخص آخر، لكن بسبب الحكمة يحيا الحكيم في اكتفاء وغنى حقيقي، ويبارك آخرين!!
 
٦- في الحكمة بدايات جديدة ثابتة: "الرَّبُّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ. أَثْبَتَ السَّمَاوَاتِ بِالْفَهْمِ.." (أم٣: ۱۹).. كيف تأسست الأرض وتثبتت السموات؟! بحكمة الرب..  كل ما نراه حولنا تمَّ وأُكمِل بحكمة الرب، كما أسس الرب الأرض والسموات بالحكمة، يعطي أولاده الحكمة ليبدأوا الأمور الجديدة في حياتهم. البدايات الجديدة تحتاج حكمة إلهية. بداية الأمور في حياتنا تشير بشكل ما إلى خط سير هذه الأمور.. لذا تحتاج البدايات لحكمة حقيقية، لتحديد ورسم كيف ستسير الأمور بحسب ما في ذهن الرب.. بداية عمل جديد.. الالتحاق بكلية دون الأخرى.. الخطوبة والزواج.. توقيت الانجاب.. قرار بالهجرة.. الانتقال من مكان لآخر للسكن.. كلها قرارات كبيرة تصنع بدايات لمراحل في عمر الإنسان.. لذا يريد الرب أن يعطي حكمة إلهية لأولاده، ليبدأوا كل شيء في وقته الصحيح، وبعد حساب النفقة بشكل صحيح.. إتخاذ القرارات في البدايات بحكمة إلهية، يلازمه دائمًا قدرة على الإيمان.. إذ يقودني الرب بحكمته، يملأني بالإيمان الكافي لرؤية المعجزات في الطريق الذي قادني فيه.. هلليلويا!
 
۷- الحكمة نافعة للإنجاح، بدون استنزاف للوقت والطاقة والمجهود: "إِنْ كَلَّ الْحَدِيدُ وَلَمْ يُسَنِّنْ هُوَ حَدَّهُ، فَلْيَزِدِ الْقُوَّةَ. أَمَّا الْحِكْمَةُ فَنَافِعَةٌ لِلإِنْجَاحِ".. (جا ۱۰: ۱۰)..
ترجمة تفسيرية: "إِنْ كَلَّ[بمعنى إن تعب] الْحَدِيدُ، وَلَمْ يُسَنِّنْ هُوَ[المقصود بالضمير "هو"، الشخص العامل بالحديد] حَدَّهُ، فَلْيَزِدِ[العامل] الْقُوَّةَ[المقصود القوة البدنية في القطع]. أَمَّا الْحِكْمَةُ فَنَافِعَةٌ لِلإِنْجَاحِ.." (جا۱۰: ۱۰)... هذه آية من الآيات الصغيرة التي تحمل معاني هامة جدًا.. معنى الآية أن الحديد (الفأس أو الآلة الحديدية المُستخدمة في القطع) بعد استخدامها لفترة كبيرة تبدأ في أن تصير أقل حِدة. فمثلاً السكين بعد استخدامه لفترة من الوقت يصير غير حاد بالشكل الكافي، ويحتاج أن يُسَن. الآية تقول أن الشخص إذا لم يَسِن الحديد في الوقت المناسب، سيضطره هذا إلى بذل المزيد من القوة العضلية ليقطع بهذا السكين الغير حاد (التِلِمْ).. أو ليَنشُر بهذا المنشار الذي لم يُسَّن!!.. والجزء الثاني من الآية يوضح أن الحكمة هنا نافعة للإنجاح، لأن الحكمة ستنصح الشخص أن يُسَنِن السكين أو الفأس أو المنشار، ليعود الحديد لحدته الأولى، فيقطع بسهولة، ويوفر الإنسان طاقته المبذولة!!.. هكذا دائمًا الحكمة الإلهية، تعطي أفضل وأذكى الطرق للنجاح.. في مرات ينجح ابن للرب في شيء ما، لكن يكون نجاحه هذا مُرهق جدًا، وعلى حساب أشياء أخرى.. فقد ينجح الشخص في بعض الأشياء، لكن يكون هذا النجاح قد استنزف منه الكثير والكثير من الوقت والجهد والصحة.. الحكمة تُعرِف المؤمن كيفية النجاح  في الأمور بدون إفساد أمور أخرى!! فالطالب الحكيم يستذكر وينجح بدون أن يُهمل علاقته مع الرب!! والزوج ينجح في العمل بدون أن يفسد علاقته مع زوجته وبدون أن يفقد صحته أو يُهمِل الاجتماعات الروحية!! والزوجة تنجح في تدبير بيتها وشئون الأطفال بدون أن تثقل على زوجها وتُفسد العلاقة الزوجية!! هناك فرق بين ناجح وناجح!! ناجح مُستنزف وناجح في ملء القوة!! في بعض الأحيان يبدأ خُدام خدمتهم باشتعال حقيقي للروح، لكن مع مرور الوقت وتزاحم مسئوليات الخدمة، يخفُت هذا الاشتعال الروحي تدريجيًا، ويُكمل الخدام العمل بصعوبة شديدة. قد يحافظون على النجاح لكن وسط استنزاف شديد!! الحكمة تقول لهؤلاء الخُدام: "قفوا وليُسَّنن الحديد مرة أخرى,, أي لتمتلئوا بالروح.. وما تبذلون فيه مجهود أيام لينجح، سيتم إنجازه في ساعات.. عندما تمتلئون بالروح مرة أخرى!!".. الحكمة تصنع هذا.. تعطي نجاحات حقيقية بدون استنزاف.. أبي السماوي.. لتُعطِنا حكمتك!!
 
٨- في الحكمة عمل روحي حقيقي مُثبَّت: "يَا ابْنِي، إِنْ قَبِلْتَ كَلاَمِي وَخَبَّأْتَ وَصَايَايَ عِنْدَكَ، حَتَّى تُمِيلَ أُذْنَكَ إِلَى الْحِكْمَةِ، وَتُعَطِّفَ قَلْبَكَ عَلَى الْفَهْمِ.." (أم٢: ٢).. الحكمة والفهم يُمثلان القاعدة التي يُبنى عليها العمل الروحي الحقيقي.. لكل عمل روحي جانبان هامان جدًا:
أولاً: أرضية أو قاعدة (أفقية) يُبنى عليها وهي التي تضمن استقرار العمل الروحي واتزانه وعمقه.. وهذه الأرضية هي الحكمة الإلهية والفهم الكتابي لطرق الرب.
ثانيًا: أعمدة ودعامات (رأسية) تُتيح للعمل الروحي النمو الرأسي والارتفاع عاليًا بلا إعاقات.. وهذه الأعمدة والدعامات هي الإعلان النبوي والتمييز الروحي.
يُصلي الرسول بولس لأهل أفسس لأجل أن يمتلئوا بروح الحكمة والإعلان.. الحكمة هي القاعدة القوية للمبنى الروحي التي تضمن استقراره، والإعلان هو الأعمدة التي تضمن أن يرتفع المبنى عاليًا.. وجود هذه الثنائيات معًا، الحكمة والإعلان، الفهم والتمييز، يُجَنِبْ العمل الروحي مشاكل كثيرة، ويساعد الخدمات الروحية والكنائس على التوسع والارتفاع بدون مخاطر!!.. فكما أنه لا يمكن أن يتأسس مبنى ضخم على أرضية هشة، هكذا لا يمكن أن تنجح خدمة أو كنيسة في إرساليتها بدون فهم وتعليم كتابي صلب.. وكما أنه لا يعلو مبنى بدون أعمدة ودعامات، هكذا لا تصل خدمة أو كنيسة إلى غايتها بدون إعلان نبوي وتمييز روحي.. أبي السماوي، أنا أطلب روح الحكمة والإعلان في معرفتك، الفهم والتمييز.. املأني بروحك القدوس.. لأُتمِم ما أرسلتني لأجله!! بإسم ابنك يسوع..

دكتور ثروت ماهر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق